« لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض، وَلاَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلاَ بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ »
لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض، وَلاَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلاَ بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ. [7277] (صحيح) (ن) عن ابن عمر.
هذا النص الأصلي كما ورد في كتاب "صحيح الجامع الصغير وزيادته"
هذا الحديث مؤلَّف من جملتين متكاملتين لكل منهما سياق وسند مستقل — الأولى في خطبة الوداع، والثانية تُعلِّق على مبدأ المسؤولية الفردية في الجناية.
الجملة الأولى — من حديث جرير بن عبد الله وابن عمر وأبي بكرة رضي الله عنهم
متفق عليه — البخاري (121) ومسلم (65) • النسائي (4142) • ابن ماجة (3942)
الجملة الثانية — من حديث أبي رمثة التيمي رضي الله عنه
أخرجه النسائي (4128) وأبو داود وابن أبي شيبة • إسناده مرسل • معناه ثابت بالقرآن
متى قال النبي ﷺ هذا الكلام؟
قالها ﷺ في خطبة حجة الوداع — آخر حجة حجَّها قبل وفاته بأشهر قليلة، وقد أمر جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن يُنصِت الناس، ثم رفع ﷺ صوته بهذا التحذير العظيم وكأنه يودِّع أمته بهذه الوصية الجامعة.
| لا ترجعوا بعدي كفاراً | لا تعودوا بعد وفاتي إلى أحوال الكفار في التقاتل والتناحر — والمراد: لا تتشبهوا بهم في الاقتتال، لا أن يرتدوا عن الإسلام حقيقةً |
| يضرب بعضكم رقاب بعض | كنايةٌ عن القتل — أي يقتل بعضكم بعضاً بسيف أو سلاح |
| الجريرة | الجناية والذنب والجريمة — يُقال: جرَّ فلانٌ على قومه إذا أوقع عليهم جناية |
| لا يُؤخَذ الرجل بجريرة أبيه ولا أخيه | لا يُعاقَب إنسانٌ بسبب ذنب ارتكبه غيره — أياً كانت درجة القرابة |
قال العلماء في معنى "كفاراً": ليس المراد الردة عن الإسلام، بل المعنى: لا تتشبهوا بالكفار في التقاتل والتناحر.
فالكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض، والمسلمون بالأصل متآخون يحقن بعضهم دماء بعض — فإذا اقتتل المسلمون فقد خالفوا هذا الأصل وضاهَوا الكفار في فعلهم.
وجه الصلة بالثأر: الثأر في الجاهلية كان يؤدي إلى حروب مستمرة يضرب فيها المسلمون رقاب بعض — وهو بالضبط ما حذَّر منه النبي ﷺ في هذه الخطبة.
كانت العرب في الجاهلية تُطبِّق "الثأر الجماعي" — أي إذا قتل رجلٌ من قبيلة رجلاً من قبيلة أخرى، جاز لأهل المقتول أن يأخذوا بثأرهم من أيِّ فرد في قبيلة القاتل — أباه، أخاه، ابنه، أو أي قريب له.
فجاء النبي ﷺ يقطع هذه العادة من جذورها: لا يُعاقَب إنسان بجريمة لم يرتكبها، ولو كان المجرم أقرب الناس إليه.
الشاهد القرآني
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ — الإسراء: 15
أي: لا تحمل نفسٌ ذنب نفس أخرى. وهذه الآية تُقرِّر القاعدة القرآنية الكبرى التي يُعبِّر عنها الحديث — وقد تلاها النبي ﷺ نفسه حين قال لأبي رمثة: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه".
الجملة الأولى: النهي عن السبب
لا تتقاتلوا — لأن الاقتتال بين المسلمين أصلاً حرام وهو شأن الكفار لا المؤمنين.
الجملة الثانية: النهي عن التوسُّع في الجريمة
وإن وقع القتل فلا يجوز أن يُؤخَذ به غير القاتل — إبطالاً للثأر الجماعي الجاهلي الذي كان يُلهِب نيران الحروب بين القبائل لأجيال.
القاعدة الفقهية المستخرجة
المسؤولية في الإسلام فردية — لا يُعاقَب أحد بذنب غيره
وهذا من أرقى مبادئ العدالة التي سبق بها الإسلام كل التشريعات البشرية