الموسوعة

الصحيح.. ولا شيء غير الصحيح

لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض، وَلاَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِي... - رواية عبد الله بن عمر

الرئيسية باب قتل النفس حديث رقم 7277
حديث رقم: 7277 صحيح صحابي: عبد الله بن عمر باب قتل النفس

« لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض، وَلاَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلاَ بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ »

لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْض، وَلاَ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ بِجَرِيرَةِ أَبِيهِ وَلاَ بِجَرِيرَةِ أَخِيهِ. [7277] (صحيح) (ن) عن ابن عمر.

هذا النص الأصلي كما ورد في كتاب "صحيح الجامع الصغير وزيادته"

التخريج: سنن النسائي (ن)
1

طريق سنن النسائي

عبد الله بن عمر

الشرح والتفسير

هذا الحديث مؤلَّف من جملتين متكاملتين لكل منهما سياق وسند مستقل — الأولى في خطبة الوداع، والثانية تُعلِّق على مبدأ المسؤولية الفردية في الجناية.

الجملة الأولى — من حديث جرير بن عبد الله وابن عمر وأبي بكرة رضي الله عنهم

متفق عليه — البخاري (121) ومسلم (65) • النسائي (4142) • ابن ماجة (3942)

الجملة الثانية — من حديث أبي رمثة التيمي رضي الله عنه

أخرجه النسائي (4128) وأبو داود وابن أبي شيبة • إسناده مرسل • معناه ثابت بالقرآن

متى قال النبي ﷺ هذا الكلام؟

قالها ﷺ في خطبة حجة الوداع — آخر حجة حجَّها قبل وفاته بأشهر قليلة، وقد أمر جرير بن عبد الله رضي الله عنه أن يُنصِت الناس، ثم رفع ﷺ صوته بهذا التحذير العظيم وكأنه يودِّع أمته بهذه الوصية الجامعة.

شرح الألفاظ

لا ترجعوا بعدي كفاراً لا تعودوا بعد وفاتي إلى أحوال الكفار في التقاتل والتناحر — والمراد: لا تتشبهوا بهم في الاقتتال، لا أن يرتدوا عن الإسلام حقيقةً
يضرب بعضكم رقاب بعض كنايةٌ عن القتل — أي يقتل بعضكم بعضاً بسيف أو سلاح
الجريرة الجناية والذنب والجريمة — يُقال: جرَّ فلانٌ على قومه إذا أوقع عليهم جناية
لا يُؤخَذ الرجل بجريرة أبيه ولا أخيه لا يُعاقَب إنسانٌ بسبب ذنب ارتكبه غيره — أياً كانت درجة القرابة

شرح الجملة الأولى — النهي عن الاقتتال

قال العلماء في معنى "كفاراً": ليس المراد الردة عن الإسلام، بل المعنى: لا تتشبهوا بالكفار في التقاتل والتناحر.

فالكفار متعادون يضرب بعضهم رقاب بعض، والمسلمون بالأصل متآخون يحقن بعضهم دماء بعض — فإذا اقتتل المسلمون فقد خالفوا هذا الأصل وضاهَوا الكفار في فعلهم.

وجه الصلة بالثأر: الثأر في الجاهلية كان يؤدي إلى حروب مستمرة يضرب فيها المسلمون رقاب بعض — وهو بالضبط ما حذَّر منه النبي ﷺ في هذه الخطبة.

شرح الجملة الثانية — إبطال الثأر من البريء

كانت العرب في الجاهلية تُطبِّق "الثأر الجماعي" — أي إذا قتل رجلٌ من قبيلة رجلاً من قبيلة أخرى، جاز لأهل المقتول أن يأخذوا بثأرهم من أيِّ فرد في قبيلة القاتل — أباه، أخاه، ابنه، أو أي قريب له.

فجاء النبي ﷺ يقطع هذه العادة من جذورها: لا يُعاقَب إنسان بجريمة لم يرتكبها، ولو كان المجرم أقرب الناس إليه.

الشاهد القرآني

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ — الإسراء: 15

أي: لا تحمل نفسٌ ذنب نفس أخرى. وهذه الآية تُقرِّر القاعدة القرآنية الكبرى التي يُعبِّر عنها الحديث — وقد تلاها النبي ﷺ نفسه حين قال لأبي رمثة: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه".

كيف تترابط الجملتان؟

١

الجملة الأولى: النهي عن السبب

لا تتقاتلوا — لأن الاقتتال بين المسلمين أصلاً حرام وهو شأن الكفار لا المؤمنين.

٢

الجملة الثانية: النهي عن التوسُّع في الجريمة

وإن وقع القتل فلا يجوز أن يُؤخَذ به غير القاتل — إبطالاً للثأر الجماعي الجاهلي الذي كان يُلهِب نيران الحروب بين القبائل لأجيال.

القاعدة الفقهية المستخرجة

المسؤولية في الإسلام فردية — لا يُعاقَب أحد بذنب غيره

وهذا من أرقى مبادئ العدالة التي سبق بها الإسلام كل التشريعات البشرية

الفوائد والحِكَم

  • الاقتتال بين المسلمين محرَّم قطعاً — وهو من أعمال الكفار لا المؤمنين.
  • الثأر من غير القاتل — كأخيه أو ابنه أو أبيه — حرامٌ صريح، وهو ظلمٌ يُضاف إلى الجريمة الأولى ولا يمحوها.
  • الإسلام أبطل النظام القبلي الجاهلي القائم على التضامن في الجريمة، وأقام بدله نظام المسؤولية الفردية المبنية على العدل.
  • النبي ﷺ اختار خطبة الوداع — وهي لحظة التوديع الأخيرة — ليُقرِّر هذين الأصلين، مما يدل على أهميتهما البالغة عنده ﷺ.
  • القاعدة التي أرساها الحديث موافقةٌ لصريح القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ — فهي ليست حكماً استثنائياً بل أصلٌ قرآني ثابت.

أحاديث ذات صلة